بسم الله
الرحمن الرحيم
اعجبتني حكمة صينية
قرأتها في كتاب "قواعد الطعام" لمايكل بولان, وهي: تناول ما يقف على ساق
واحدة ( النباتات ) أفضل مما يقف على ساقين ( الدواجن ) الذي هو أفضل من تناول ما
يقف على أربع سيقان ( الثديات كالغنم والبقر ), طبعا السمك يعتبر خارج هذه القاعدة
لأنه بلا ساق أصلًا وهو من الأطعمة الفائقة الفائدة .
بداية: اعتقد أن
التوازن في كل أمر من شؤون الحياة هو مطلب لا بد منه, وأمر نحتاج إليه بشدة, وذلك
أن الإفراط يؤدي إلى الهلكة, والتقصير يؤدي إلى النقص, والوسط والاعتدال خير.
في الفلسفة الغذائية
الخاصة بي اعتقد أن الله عز وجل قد خلق لنا أنيابًا أربعة, وطواحن وأضراس عديدة,
خلافًا للكائنات المفترسة كالأسود آكلة اللحوم, فغالب ما يوجد في فمها الأنياب لا
الأضراس. وإن كان الحال كذلك فإن اللحوم بكافة أنواعها لا تعتبر غذاءً رئيسًا يتناوله
الفرد بشكل يومي, بل هو غذاء يُرفه به المرء نفسه بين الفينة والأخرى, ويستفيد من
البروتينات والأحماض الأمينية التي يحتويها, ولكن بكميات معتدلة جدًا, نظرًا
لارتفاع نسبة الدهون المشبعة في تلك اللحوم .
وتشير غالب الدراسات
أن النظام الغذائي النباتي هو الأكثر فائدة, وأصحاب هذه الأنظمة هم الأقل أمراضًا
مقارنة بنظرائهم من آكلي اللحوم, ولما نتحدث عن النبات هنا فلسنا نعني الخيار
والجزر والخس والتفاح والموز فقط !!
بل كل ما نبت على ظهر
الأرض كالأرز, والشوفان, والكينوا, والفاصوليا, والذرة, وأنواع المكسرات,
والخضروات بجميع ألوانها وأصنافها, كل هذه تدخل ضمن ما نتحدث عنه هنا.
يقول الدكتور ترافيس
ستورك (طبيب مختص في قسم
الطوارئ في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت ومقدم برنامج الأطباء) : "غُصت في
الأبحاث الطبية حول سُبل تناول الطعام الصحي, وهذا ما واصلت القيام به حتى يومي هذا,
وراجعتُ نتائج مئات الدراسات البحثية المعمّقة حول التغذية والصحة المثلى , وتوصلت
إلى الخلاصة, ومفادها أن معظم العلماء والأطباء والأخصائيين الكبار, وغيرهم من
الباحثين العاكفين على دراسة هذا الحقل قد خلصوا إلى القول بأن أي نظام غذائي
يستند بمعظمه إلى النباتات يُشكل أفضل نمط أكل للتنعم بصحة تامة". اهـ.
ويقول مايكل بولان في
كتابه المشار إليه سابقًا: " إذا كان مصدر الطعام نباتيًا فتناوله, وإن لم
يكن فلا تفعل", ويقول: " تعامل مع اللحوم باعتبارها منكهات أو أطعمة
المناسبات الخاصة" وذلك يعني أن تراعي الكمية والوقت, فلا تُكثر منها, ولا
تتناولها بشكل يومي.
يقول البروفيسور حامد
رباح تكروري ( أستاذ التغذية والتصنيع الغذائي في الجامعة الأردنية ): الإفراط في
تناول الدهون من المصادر الحيوانية يؤدي إلى مشاكل صحية كثيرة أهمها الإصابة بتصلب
الشرايين, وأمراض القلب التي تقترن بارتفاع الكوليسترول والغليسريدات الثلاثية في
الدم ( الدهون الثلاثية ) .
وحينما تقارن بين
الشعب الأمريكي على سبيل المثال, الذي يتناول اللحوم بشكل يومي, وبين شعوب شرق
آسيا كاليابان أو الصين الذين يتناولون النباتات والأسماك بشكل رئيس فإنك تجد أن
شعوب شرق آسيا أقل إصابة بالأمراض كأمراض القلب والشرايين, والمفاصل, والسكري,
وارتفاع الضغط, والنقرس وغيرها من الأمراض, وتجدهم عادة أطول سنًا, فترى أحدهم
يبلغ المئة عام أو يزيد عليها وهو مفعم بالنشاط والحيوية.
ولكن اعلم أني لما
كتبت هذا المقال فلست أقصد أن أمنعك عن تناول المنتجات الحيوانية بأنواعها, ولستُ
أدعوك إلى أن تكون نباتيًا سائر أيام حياتك, بل أدعوك إلى أن تبدأ بالتقليل من
اللحوم وخاصة الحمراء منها, بحيث أن تجعل لك يومًا واحدًا في الأسبوع لا تأكل فيه
أي صنف من اللحوم الحيوانية ( عدا السمك فهو مفيد جدًا كما أسلفت ويُنصح بتناوله
بما لا يقل عن مرتين في الأسبوع للاستفادة من فيتامين دي, وأحماض الأوميغا 3 ) ثم
ترتقي حتى تجعل تناولك للحوم يكون يومان أو ثلاثة في الأسبوع.
أما فلسفتي النباتية
فهي مختلفة تمامًا عن سائر الأنظمة النباتية الشهيرة, فقد أصبحت منذ فترة من الزمن
لا اتناول اللحوم الحمراء ولا الدجاج إلا ثلاث مرات في الشهر تقريبًا, وسائر أيام
الشهر أتناول فيها النباتات والحبوب, أما السمك فلم أغفله عن نظامي الغذائي, بل
اتناوله بما لا يقل عن ثلاث مرات في الأسبوع, وبقية المنتجات الحيوانية – عدا
اللحوم - كالبيض والحليب وعسل النحل هي أساسيات في نظامي الغذائي, أما البيض
فاتناول منه ثلاث بيضات على مدار الأسبوع ( نقلت في أحد مقالاتي توصية جمعية القلب
الأمريكية في أن الفرد يجب ألا يتجاوز صفار أربع بيضات في الأسبوع لارتفاع نسبة
الكوليسترول فيه ), وأما الحليب فاشرب كوبًا واحدًا من حليب الضأن أو البقر بشكل
يومي, وفي بعض أيام الأسبوع استغني عن الحليب الحيواني واتناول بدلًا عنه الحليب
النباتي كحليب جوز الهند, أو حليب الشوفان, أو حليب اللوز, وأما عسل النحل فاستفتح
به يومي مع كوب ماء قبل وجبة الإفطار بنصف ساعة.
وقد يتسائل البعض عن
سبب دمجي للسمك والحليب والبيض وعسل النحل ( عسل النحل لا يتناوله النباتيون عادة,
بل يتناولون العسل النباتي كعسل القيقب ) مع النباتات !!
والجواب على هذا
السؤال باختصار وإيجاز: أن الأطعمة النباتية غالبًا تعتبر فقيرة بفيتامين ( ب 12 )
وهو موجود في المنتجات الحيوانية كالحليب والبيض واللحوم وغيرها, فلأجل ذلك قمت
باستحداث للأنظمة الغذائية النباتية مع دمج لبعض الأساسيات لأجعل نظامي الغذائي
متكاملًا لا نقص فيه من جهة الفيتامينات والمعادن, وإن كان بعض أنواع النباتيين
يتناولون الحليب والبيض, أو أحدهما, فإنهم لا يتناولون السمك, واللحوم الحمراء,
والدجاج, والأجبان, وعسل النحل بتاتًا.
أيضًا البروتين
النباتي يُصنف بأنه بروتين غير كامل, خلافًا للبروتين الحيواني الذي يصنف بأنه
بروتينًا كاملًا, ويمكنك القيام بحيلة صغيرة لجعل البروتين النباتي بروتينًا
كاملًا بدمجك لنوعين من أنواع البروتين النباتي كتناول زبدة الفول السوداني مع خبز
الحبوب الكاملة, أو تناولك للفاصوليا أو الفطر مع الأرز الأسمر, وهكذا .
وإن اخذت بروتينًا
نباتيًا واحدًا وأضفت معه البيض أو الحليب أو السمك فبذلك قد أصبت وأحسنت وتكون قد
حصلت على بروتين كامل من الطعام الحيواني, وبروتين غير كامل من الطعام النباتي,
فيُكمِّل البروتين الحيواني نقص البروتين النباتي .
ختامًا, نصيحتي لك إن
أردت أن تقي نفسك من الأمراض العصرية المنتشرة وخاصة السرطانات بأنواعها, وأمراض
القلب, هي باختصار أن يكون نظامك الغذائي يقوم أغلبه على النباتات والحبوب, واجعل
اللحوم بشتى أصنافها في أيام محددة من أيام الأسبوع, وبذلك ستكون – بإذن الله –
أقل عرضة للإصابة بالأمراض .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق